الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

225

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

التزويج مرجوح ، إذ لو كان راجحا ما آثر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - غيره ، وكان - مع كونه أخشى الناس للّه وأعلمهم به - يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال ، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يستمتع به من القوت غالبا ، وإن وجد فكان يؤثر بأكثره ، ويصوم كثيرا ويواصل ، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة ، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن ، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول ومشروب ، وهي عنده - صلى اللّه عليه وسلم - نادرة أو معدومة . وقال بعض العلماء : لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النساء أكثر مما يستبيح العبد ، وجب أن يكون النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمة . قالوا : ومن فوائد ذلك ، زيادة التكليف بهن مع تحمل أعباء الرسالة ، فيكون ذلك أعظم لمشاقه وأكثر لأجره ، ومنها : أن النكاح في حقه عبادة ، ومنها : نقل محاسنه الباطنة ، وقد تزوج - صلى اللّه عليه وسلم - أم حبيبة وكان أبوها في ذلك الوقت عدوه ، وصفية وقد قتل أباها وعمها وزوجها ، فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل خلق اللّه لكانت الطباع البشرية تقتضى ميلهن إلى آبائهن وقرابتهن ، فكان في كثرة النساء عنده بيان لمعجزاته وكماله باطنا ، كما عرف الرجال منه الظاهر . وقد رغب - صلى اللّه عليه وسلم - في النكاح . فروى أبو داود والنسائي من حديث معقل بن يسار مرفوعا : « تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم » « 1 » وفي ابن ماجة عن أبي هريرة رفعه : « انكحوا فإني مكاثر بكم الأمم » . وهو معنى ما اشتهر على الألسنة : « تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم » « 2 » ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 2050 ) في النكاح ، باب : من تزوج الولود ، والنسائي ( 6 / 65 ) في النكاح ، باب : كراهية تزويج العقيم ، والحاكم في « المستدرك » ( 2 / 176 ) ، من حديث معقل بن يسار - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 2940 ) . ( 2 ) انظر هذه الرواية في « كشف الخفاء » للعجلوني ( 1021 ) .